طباعة


محمود درويش في حضرة الغياب: الموت لا يوجع الموتى بل يوجع الاحياء!




عبق درويش محمود معروف لا زال عبق محمود درويش وصوته يملأ فضاء مسرح محمد الخامس بالرباط. لا احد الا محمود ولا صوت الا صوته. يشدو ويتلو قصائده بخصلات شعره نازلة على جبينه او برشفة من كأس الماء.

مشهد لن يتكرر، فها هو محمود درويش شاعر العرب المعاصر يغادر وعلى غير عادته، يتركنا ننتظره. فهو لا يحب الانتظار، كل الانتظار. لا يحتمل ان ينتظر احد او ينتظره احد. كان يحضر الى مبنى المسرح من بوابته الخلفية، يجلس قليلا في غرفة مجاورة لخشبة المسرح، قليلا من القهوة او الشاي المغربي وقليلا من الماء، ليتوجه، بسيطا انيقا، الى المحراب ليرتل صلاته في خشوع، حتى في اللحظات الساخرة التي يجعلها ومضة ممزوجة بتصفيق الخاشعين.

كنت احرص دائما، في حضرة محمود درويش، الانزواء حيث لا احد اعرفه بجانبي او البقاء وحيدا خلف الستارة الجانبية، اشقها قليلا لكي لا يراني احدا غيره، ينظر لي ويبتسم، وحين ينتهي يسألني عن نقاوة الصوت حيث كنت اجلس. المرة الاخيرة التي التقيته بها كانت في قاعة اليونيسكو في باريس في تشرين الثاني (نوفمبر) 2006، بعد امسية شعرية بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، التي كانت المرة الاولى التي احضره مع جمهور غير عربي. كان يردد النشيد مرفقا بترجمات مكتوبة على الشاشة، وكان الجمهور، كما هو في كل مكان، اما خاشعا او مصفقا.

التقينا بعد الامسية، شعرت بسروره لوجودي رفقة ابني نبيل، كان اللقاء قصيرا، سألته في لحظات اللقاء عن صحة والدته حورية، اجاب بفرح صحتها منيحة وكانت تزورني في عمان قبل ايام. وتواعدنا على لقاء باريس طويل، لكني شعرت اني اودعه ولن اراه مرة اخرى ولم اره.

كان الهاتف الاخير بيننا في ايار/مايو الماضي، اتصلت مهنئا بجائزة اركانة للشعر التي منحها له بيت الشعر بالمغرب وتحدث عن حالته الصحية بالحزن الممزوج بسخريته وتواعدنا على اللقاء في تشرين الاول (اكتوبر) للاحتفال بتسلمه الجائزة وامسية شعرية بفضاء مسرح محمد الخامس الذي يحب.

مع الصديقة ثريا جبران وزوجها عبد الواحد عوزري كنا ظهر يوم الجمعة نتحدث عن ذلك الموعد وبعض الترتيبات، قلت لهما: على كل حال علينا الانتظار قليلا لاني لا اعتقد انه سيكون بامكناه الحضور لان وضعه الصحي بعد العملية الجراحية التي اجراها يوم الارعاء لم يستقر بعد. وظهر يوم السبت كانت ثريا على الهاتف تبكي وتبلغني خبر عدم حضوره مغادرته الى الخلود وان يكتفي بتلاوة الشعر من بعيد بعيد وان يبقى في فلسطين التي احب ورمي حقيبته وعدم السفر.

(مدير مكتب ‘القدس العربي‘ بالرباط) موتك المثير للضحك مازن معروف (شاعر من لبنان) موتك بيولوجي. تشير إليه آلات غرفة العناية الفائقة. تتنبّه له الأنابيب التي تعلو جسدك. وتصفق له ذراعا الكرسي وتعطس النافذة. موتك مثير للضحك. تصور أنهم اخترعوا كل تلك الآلات لتفيد بموت أحد بيولوجياً. لا شك أن صوت آلة القلب كان مزعجاً جداً لحظة موتك. أفسدوا تلك الآلة على ما يبدو. كان عليها أن تظل صامتة. ألا تقول شيئاً. أن تنطفئ وتنام. قارورة الأوكسيجين صديقتك الأخيرة. هل تصدق؟ ماذا خبّأت في بطنها أيها الماكر؟ قصيدة؟ سعالاً؟ شتيمة؟ أنظر. أنت تنهض عن السرير. بكامل عريك الفلسطيني. بكامل خطئك الفلسطيني. قبل وصول الممرضة. مزلطاً. مباعداً ما بين عينيك بأكبر زاوية رؤية ممكنة. فاتح ساقيك لأكبر احتكاك محتمل مع الهواء. هواء المستشفى النظيف. تاركاً لأصابعك حرية أخذ الشكل الأخير: معقوف، مستقيم. نصف معقوف. مغلق. حزين. متخلخل. على وشك القفز. فرح. يشير إلى كبسة المكيف على أنها نجمة. مرتجف. مضموم كأنه لقمة لبنة. وحزام حول خصرك فيه كيس داخله أدوات حلاقتك. وأنت مسمّر في أرض الغرفة مقلداً شجرة زيتون في شاحنة. مزلطاً. ما رأيك لو نهرّبك من المستشفى ككيس مصل مسروق. لمن ستهدي رئتيك؟ ما رأيك لو ننفخ رئـتك بالهواء ونطلقها من النافذة باعتبار أنها بالون. وتتدلى من طرفه كولد مصاب بسوء التغذية. ونذبح لك قوس قزح. ونوزع السندويتشات على حاملي أعلام الأمم المتحدة؟ ذاكرتي لم تشرب الحليب هذا الصباح. ماذا قرأت لقارورة الأوكسيجين؟ أي قصيدة؟ هل أعجبتها؟ هل أخبرتها يوم بكيت في تونس. هل أخبرتها بأنك كنت شاباً جميلاً قبل أن تعتاد إفراغ جهازك العصبي على الورقة؟ وأنت الولد يعمل نادلاً. يخبئ في جيبته قانون نيتون للتجاذب بين جسمين. يخبئ في جيبته الأخرى عصفوراً ومضرب بايسبول. وأنت النادل يعمل ولداً. يضع على فمه مسطرة على شكل مثلث. يبرم شفتيه بزاوية تسعين درجة. يبتسم بالطول. ابتسامته تشبه وطناً، وطناً يحتاج علاجاً بالإبر الصينية لا بالشعر. موتك بيولوجي. وليس يعنيني مطلقاً هكذا موت. كم حباً ارتطم بقفصك الصدري ولم يتمكن من الدخول؟ إذهب إلى شمال فلسطين. والعب مع نباتات الصبير كرة القدم. سنسخر منها لأنها لا تستطيع الركض. وستسخر أنت من قدميك لأنهما لا تستطيعان تسجيل هدف. حواسي كاملة وأنت الآن عارٍ. نص أخير بيني وبينك. أنا على كرسي. وأنت في براد. قل لي ماذا تفعل الآن؟ هل تشم ورقة زيتون خبأتها تحت جفنك من الداخل ولم يلاحظها الأطباء في غرفة العمليات. أيها الماكر. كم قلدنا نبرة صوتك داخل المصاعد. لمن تغني الآن؟ جيرانك الموتى في العلب الملاصقة لعلبة جثتك في البراد، هل يصغون إليك؟ من هم أولئك الذين أنت ممدد إلى جانبهم؟ هل تذوقوا غزل البنات من قبل؟ هل يتكلمون العربية؟ هل يحبون الشعر؟ هل سألوك مثلاً لماذا لم تذهب إلى طبيب أسنان وتقتلع أسنانك جميعها وتضع مكانها وجبة من الشمع الأبيض؟ هل الاحتفاظ بالأسنان في فم، احتفاظ بالزمن في الجهاز الهضمي أو على الأقل على مدخله؟ الحياة لم تختلف كثيراً هذا الصباح. قطة ترسم فخاً للأسماك. ترتمي فوق سطح المياه على أنها قطعة خبز. غيمة ميتة على الأرض. فراشة تحاول التنفس الاصطناعي معها. واحد. اثنان. ثلاثة. أربعة. خمسة. ثم ضغط بكلتا اليدين على الجهة اليسرى من القفص الصدري للغيمة. فوتوغرافي في مخيم. حديقة مائلة قليلاً. غيمة تفشل. ثلاث مرات ضغط. فراشة يدهسها زبال بدراجته الهوائية الصغيرة. عالم مثبت بالدبابيس. جندي ينظف بندقيته على وقع أغنية حب فرنسية. شرطة ميامي تفعل إنقاذ أرنب سمين غرق في مصرف مياه. قنبلة تطهو أناساً في سوق شعبي. بعيداً جداً عن ميامي. هل استيقظت؟ نحب صوتك حين تتثاءب. وتلهث. وتسعل. وتحكي. وتقول شكراً. نحب صوتك أيضاً حين تجعلنا نكرهك. زحمة خلايا الدم في الشرايين. في شرايين الدماغ. كان على الأطباء أن يقرأوا شعرك في وقت مبكر من الحياة. قبل دخولك غرفة العمليات. لماذا طردت رجال الشرطة من رأسك في الصباح؟ تدافع خلايا دم في الشرايين. خلايا تحمل في بطنها جزءاً من قصيدة أخيرة. اشتهت أن تقفز ربما من رأسك إلى أظافرك ثم إلى الورقة. هل الورقة لذيذة النكهة إلى هذا الحد؟ موتك المثير للضحك. بيولوجي لا أكثر.

من سيرثيك يا درويش؟ محمد خضر قرش (كاتب من فلسطين) رحل الشاعر المرهف الحواس قبل وقته وفي غير مكانه.. رحل قبل ان يصلي صلاته الاخيرة ويتوضأ بماء الاقصى ويزور كنيسة القيامة ويشم عبق طريق الالام. كان يحب ان يشاهد في لحظته الأخيرة قبل ان يخطفه الموت ما تبقى من قرية البروة مسقط رأسه والجليل وفلسطين. رحل شاعرنا محمود درويش بعد ان عشق واحب وانشد ونظم الشعر بأسلوب من الصعب تكراره او تقليده. رحل الى لحده أخيراَ، فسوف نعزي جبال الجليل، تنفيذا لوصية ادوارد سعيد لشاعرنا حينما التقاه في نيويورك عام 2002 حيث كان يصارع السرطان. ‘وقد اوصانا بالمستحيل فهو ما زال على بعد جيل‘ كما قال درويش بنفسه في قصيدة وداع لروح ادوارد سعيد. لا اعلم كم كاتبا او اديبا او شاعرا سيوفق في تنظيم حفل رثائك وسرد صفاتك. رحل درويش بعد ان كتب سقط القطار عن الخريطة ولا تعتذر عما فعلت وأحد عشر كوكبا وكزهر اللوز او ابعد وأنت اليوم غيرك وخذوا اشياءكم وارحلوا.. وعشرات القصائد الرائعة الممتعة وآخرها ‘سيناريو جاهز‘ التي كتبها قبل نحو شهر. رحل درويش في غفلة من الزمان وفي غير وقته وغير أوانه والاسى والالم يعتمر صدره وعقله وفؤاده وتفكيره ترجمها في قصيدته الاخيرة.. ‘سيناريو جاهز‘ لتكون درسا لنا جميعا، حيث سقطنا في حفرة عميقة ننتظر حبل النجاة للخروج او قل للصعود الى سطح الارض. ما زلنا ننتظر معجزة الخلاص والتي من صفاتها وسماتها انها لا تأتي الا مرة واحدة كل اربعين او خمسين او ستين عاما ولا ادري ان كان موعد مرورها فوق الحفرة او الهاوية قد اقترب. فطائر السنونو لم يزف الينا البشارة بعد فوفقا للراحل محمود درويش ما زال في وسعنا ان نغير حتمية الهاوية على الرغم من وجود قناصين بارعين يقفون على مرمى حجر من الحفرة التي رمينا انفسنا فيها بدون ادراك للعواقب. لم يعد ينفع الندم بعدما تآمرنا على يوسف والقيناه في اليم من اجل الاستحواذ والاستئثار والاستفراد وحدنا بيعقوب وبالادق من اجل عدم منافسة يوسف لنا في اقتسام الارث والملك والسلطان. لم نكن ندري ونحن نفعل ذلك، اننا خسرنا انفسنا قبل ان نخسر يوسف. محمود درويش كان يعلم تماما بأن قيام قابيل بقتل اخيه هابيل هي اولى الخطوات المؤدية الى الهاوية، لم يعد يجدي او يفيد البحث عن طريقة لائقة لدفنه تيمنا بالغراب ليواري سوء افعاله. المهم ان عملية القتل قد تمت في لحظة جنون. وان تبجحنا بمبررات القتل كانت اسوأ من عملية القتل نفسها. نحن لم نعد نخجل من انفسنا لذلك انشد درويش قصيدته الرائعة ‘انت اليوم غيرك‘ لقد حالت اصوات الرصاص والمدافع والرشاشات التي نطلقها على بعضنا من سماع هدير الجرافات الاسرائيلية تجرف وتهدم البيوت والمحاصيل، وحالت اصواتنا العالية والخالية من كل القواعد والاصول الادبية والدينية عبر اثير وسائل الاعلام من سماع اصوات الاغنام المبحوحة من افتراس الذئاب لها والتي زاد عددها وحجمها وقدرتها وشهيتها على الافتراس واقتحام الحظائر وحتى البيوت. فالجميع مشغول بالسلطة وبالقتل. لقد بات تحرير حي الشجاعية في غزة أهم من تحرير الاقصى واصبحت الاعتقالات المتبادلة وسيلة لتعزية وتسلية النفس الامارة بالسوء دائما. وكما يقول شاعرنا الراحل ‘انت انت ولو خسرت.. واضيف عليها انت انت ولو ربحت.. فأنا وانت اثنان من الماضي‘. فقطار القدس الذي تبنيه السلطات الاسرائيلية حاليا كالسور العازل كلاهما يتلويان كالأفعى السامة الجائعة لالتهام كل ما يتيسر امامه. فنحن مشغولون في الاثبات للاخرين بقدرتنا وسرعتنا على حسم الامور لصالحنا، واظهار قوتنا وبأسنا في الشارع وحنكتنا في تثبيت التهدئة، فهذه هي الضريبة التي لا بد من دفعها لاعتراف الخصم بنا. لهذا يقول قابيل لأخيه هابيل دعني اقتلك لكي اثبت للخصم بأنني اهل للتفاوض. فشاعرنا الكبير رحمه الله، لم يكن محبا او محبذا لاصوات قتل ابناء واحفاد قابيل لابناء واحفاد هابيل، لذلك انشد وبصوت عال: ‘انت اليوم غيرك‘. ‘ حيث يكون الموت لا اكون تغنى محمود درويش بالموت كثيرا لم يكن يهابه او يفزغ منه لكنه كان يرفض الموت العادي لانه كان يرغب في البقاء فوق ارض الاجداد ليشم روائح الياسمين والقرنفل ويشاهد ازهار اللوز البيضاء تزهو في ربيع فلسطين. كان يرفض الموت لانه كان يريد ان يبقى شوكة مستقرة دوما في بلعوم اعدائه. هذه المرة سقط درويش عن صهوة الفرس ولم يعد فؤاده المرهف قادراً على البقاء بعيدا عن الموت. لن ينظم الشعر بعد ولن يشارك بجسده في احتفالات رام الله المئوية القادمة كما فعل قبل شهر. غادر عالمنا المريض الاناني الى عالم آخر، لكنه سيبقى من مقره وعليائه الابدي يراقب ما يفعل احفاد واولاد قابيل وهابيل. دعونا نكرم شاعرنا الكبير وكل من سبقوه الى دار الخلد باعادة اللحمة لهذا الوطن او شبه الوطن. لا ادري من سيملك الشجاعة والقدرة ليرثيك بالقرب من لحدك. من سيقدر على تجميع اعصابه ولغته ليرثيك ويعطيك حقك، فالبلاغة والفصاحة تهرب بعيدا عنا ونحاول عبثا ايجاد ما يناسب هذا المصاب الجلل الذي حل بنا. فرثاء الكبار وتخليدهم ليس امرا هينا ابدا. انت من هناك لكنك لست هناك لكن لك فيها ذكريات اكبر من ان يجمعها كتاب او يسجلها قلم. ولا املك الا ان اعيد ما كتبته انت في حضرة موت الزعيم جمال عبد الناصر حينما قلت ‘وحينما تموت احاول ان لا اكون معك او اموت معك‘. مشى على بحيرة وبشّر بقيامة محمد غندور (شاعر من لبنان) وطدت الحرب علاقتي بدرويش. تأتي الحروب دائماً على غفلة، تنزع منا الفرح وتعطينا جروحاً قد لا تطيب. درويش الكلمات، جابه الحرب بلغته وحروفه، فحوّلها من قصف ودمار وخراب، إلى حكاية لطيفة يخبرنا إياها بقصيدة. رسم بلاداً اشتهيناها كما النبيذ.

رافقت كلمات درويش ألحان مرسيل خليفة، وحلم الرحابنة إبان الحرب في لبنان، فكلماته وصوت فيروز خففا من وطأتها، منحانا هامشاً أوسع للحب على مهل، وللثورة بواقعية الغريب. ارتبط شعر درويش بجغرافيتي الجنوبية. كنت أعيش تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي في جبل عامل، أخاف الموت الفجائي، أخاف الهزيمة المُرّة بلا مواجهة، أرتجف من صوت الصواريخ التي كانت تهوي في القرب من الملجأ الذي سكناه، فتقتل أحباءنا، تقصر أعمارنا. قراءة قصائد درويش خلال الحروب، فعل مقاوم، علاج ضد اليأس وصلاة الغائب من بعيد. شعره علمني كيف أتعامل مع الموت، كيف أطرده ولا أهابه، كيف تحارب الكلمات صاروخاً يقتلع بناية، كيف أغمر الحبيبة بعد فراق. إنسانية درويش الفائضة ورمزية شعره، وثقا صلتي بالقراءة والكتابة.

جداريتك يا درويش، مكنتني من عناق أخي وهو تحت الركام في حرب تموز(يوليو) الأخيرة، وجعلتني أمسح دمعة أمي رغم المسافات، وأرافق صلوات أبي حين كان يدعو الله أن يحمي أخوتي الثمانية. جداريتك أيها المتحول، حولتني من هش رمادي إلى ورد ورصاص وفراشات. الجدارية جعلتني أحاور حبيبة غائبة اختفت في مدينة الضباب. علمني الشعر الدرويشي كيف أرافق الموت وأتغلب عليه، كيف أتحول من مقتول ومغدور ومعذب ومتيم ومهدد، إلى سهم يخترق صدر من يعبث معه. لماذا عشقنا درويش؟ لم أضحى صوتنا؟ حمل درويش همومنا وعذاباتنا وخيباتنا وخياناتنا وآهاتنا في نبرة صوته الوقورة، غيّر ألوان لوحة واقعنا. حرّر فلسطين بشعره فدخلناها لنقطف الصعتر، ونمزجه مع زيت الزيتون والحنّة. قصف بأبياته ‘النووية‘ تل أبيب، فاقتحمناها لاهثين مخرّبين ومطهّرين.

علمنا أن الحب يكمن في التفاصيل، وأن الحياة بلا خيبات مملة. وأن الوقت نهر له نهاية، وأن البحر كلمات علينا أن نتحمل ملوحتها.

‘ مثلما سار المسيح على البحيرة، سرت في رؤياي. لكنني نزلت عن الصليب لأنني أخشى العلو ولا أبشر بالقيامة‘.

أبيات من الجدارية تزين مكتبي، باتت ملازمة للصباح كما الهواء والضرب على لوحة المفاتيح. لقد سِرت يا درويش على بحيرة ولم تغرق فيها، بل غرق الموت، كنت تخشى المرتفعات ولكنك لطالما امتطيتها بصورك الشعرية وإنسانيتك المرنة. لم تبشر بالقيامة ولكنك بشرتنا بأوطان لم يحن وقت حصادها. ‘ درويش خسارة كبيرة‘ ، ‘اغتاله الموت‘، ‘مات قبل أوانه‘، ‘ليته يعود لنتعلم أكثر‘.

ما هذه السخافات، أيها الدروايش، صديقنا هزم الموت قبل أن يهزمه، حصن نفسه منه، بكتاباته الأنيقة وصوته الجهوري. كتب درويش وكتب إلى أن أفقد الموت هويته. خجل الموت من درويش وهابه لذا سرق روحه بسرعة خوفاً من المواجهة. سقط الموت في امتحانه ومات درويش بلا وجع أو ألم. رحل درويش وبقي دروايش، حروفه التي زرعها فينا ستنجب شعراء ينتمون إلى المدرسة الدرويشية- الرمزية.

الشعراء أمثال درويش يزيدهم الموت بريقاً، ويعطينا الفرصة لاكتشافهم من جديد. يموت الآلاف يومياً من دون أن تذكر أسماؤهم أو نعرف وجوههم. رحل درويش وبحر من الدموع يسير خلف جنازته. قبل وورد وضحكات ودعوات وصلوات وحركات ستسير خلفه، حتى الأحرف الأبجدية رفيقة عمرك، ستمشي في جنازتك يا ابن أمك. اليوم، يعود درويش إلى أمه فلسطين وأبيه التراب. جيوش من الشعراء والأدباء والأميين والحدادين والسياسيين والنجارين وبائعي التمر والعصير والجوز واللوز والموز، ستمشي وراء نعشك. ستطوف روحك على الجنازة لتتفقدها، ستتوقف عند كل شبر من أرضك، ستمسك تراباً وتتنشقه، ستبكي وتفرح وتحزن، ستأكل وتشرب وتنام، ستستحم بهواء رطب وصابون الغار ومياه عكا، ستجمع ورداً وقمحاً وطيناً، وتعود إلى جسدك لتطمئنك أن كل شيء على ما يرام.

صار محمود درويش ما يريد، صار كرمة يعتصرها الصيف منذ الآن، ويشربها العابرون نبيذاً.


 


اغلاق